“إن المسئول عن انهيار مملكة السماء هم رجال الدين أنفسهم ! ... أولئك كان ينبغى لهم أن يتجردوا من كل متاع الأرض، و يظهروا فى زهدهم بمظهر المنتظر حقاً لنعيم اَخر فى السماء ... لكنا نراهم هم أول من ينعم بمملكة الأرض، و ما فيها من أكل طيب يكنزون به لحماً، و خمر معتق ينضح على وجوهم المورة، و تحت إمرتهم : السيارات يركبونها، و المرتبات يقبضونها ! ... إنهم يتكلمون عن السماء، و كل شئ فيهم يكاد ينطق بأنهم يرتابون فى جنة السماء، و أنهم متكالبون على جنة الأرض. هؤلاء هم وحدهم الذين شككوا الناس فى حقيقة مملكة السماء ...إن كل ما بناه الأنبياء بزهدهم الحقيقى، و جوعهم، و عريهم، مما أقنع الناس بأن هؤلاء الرسل هم حقاً ينتظرون شيئاً فى العالم الاَخر .. جاء هؤلاء فدمروه! و كانوا أقوى دليل على كذب مملكة السماء، و خير دعاية لمملكة الأرض ... و أنسوا الناس بانغماسهم فى هذه الحياة، أن هنالك شيئاً اَخر غير هذه الحياة ! إيفان لـ محسن فى رواية "عصفور من الشرق”
“نعم، لاشك أن المسئون عن انهيار مملكة السماء هم رجال الدين أنفسم.... إنهم يتكلمون عن السماء، وكل شئ فيهم يكاد ينطق بأنهم يرتابون فى جنة السماء، وأنهم متكالبون على جنة الأرض. هؤلاء هم وحدهم الذين شككوا الناس فى حقيقة مملكة السماء.”
“الشريعة الإسلامية باقية .. و فيها و لاشك الصالح لكل زمان و مكان. و قد يكون فيها ما لايصلح لزمان معين و مكان محدد .. و فيها ما يجرى عليه قول النبى الكريم "أنتم أدرى بشئون دنياكم" .. و فيه ما لم يأخذ به عمر بن الخطاب فى عام معين هو عام المجاعة .. و نحو ذلك مما يوجب علينا دراسة كل هذا بعمق و أناة بعيداً عن السطحيات و الإشاعات و الشعارات .. و على رجال الدين فى كل هذا أثقل التبعات .. و لهم الحق فى أن يقفوا ضد "العلمانية" إذا كانت تقصد إيعادهم عن شئون الدنيا .. و دورهم فى الدنيا قائم بحكم الإسلام و لكن يجب أن يدرسوا و يوضحوا للناس ما ينبغى أن تقوم عليه الدنيا من عمل صالح و منتج و نافع و مرتفع ...”
“لا مفر للخلق من العبودية، و أنى لهم المفر و السماء فوقهم و الشرائع تحت السماء و القوانين تحت الشرائع و الرذائل تحت القوانين و الوحشية تحت الرذائل؟ فويل للمستضعفين الذين يفرون من كل فرجة بين المخالب و الأنياب و فى أرجلهم القيود الثقيلة، و ويل للإنسان الذى لا يكتفى بالله فى سمائه حتى يستعبد لصفاته فى أهل الأرض؛ فالجبروت فى الملوك و الكبرياء فى الحكام، و التقديس فى القوانين عادلة و ظالمة، و العزة فى القوة و ماذا بقى لله ويحك؟”
“إن فى الإنسان منطقة عجيبة سحيقة لا تصل إليها الفضيلة و لا الرذيلة، و لا تشع فيها شمس العقل و الإرادة، و لا ينطق لسان المنطق، و لا تطاع القوانين و الأوضاع، و لا تتداول فيها لغة أو تستخدم كلمة .. إنما هى مملكة نائية من عالم الألفاظ و المعانى .. كل ما فيها شفاف هفاف يأتى بالأعاجيب فى طرفة عين .. يكفي أن ترن فى أرجائها نبرة، أو تبرق لمحة، أو ينشر شذا عطر، حتى يتصاعد من أعماقها فى لحظة من الإحساسات و الصور و الذكريات، ما يهز كياننا و يفتح نفوسنا على أشياء لا قبل لنا بوصفها، و لا بتجسيدها، و لو لجأنا إلى أدق العبارات و أبرع اللغات ،،،”
“العلمانية لم تنتشر فى أوروبا إلا كرد فعل لنفوذ الكنيسة و فرضها لرأيها على المفكرين و غيرهم، و على تنظيم الحياة طبقاً لآرائهم القديمة التى لا تصلح للزمان الجديد، و بذلك تم فصل الكنيسة عن الدولة .. و إنى أحذر رجال الدين عندنا من هذا المصير .. و يكونون هم السبب فى فتح باب "العلمانية" الأوربية على مصراعيها لدخول بلادنا ..فى الوقت الضائع - توفيق الحكيم”
“قالت العصا :- - يحدث أن ينطلق خيالى أحياناً متسائلاً :-" كيف يقضى الناس يومهم الأول فى جنة الخلد؟ .. "أغلب ظنى أن فقراء الدنيا سيرتمون على المائدة الشهية و الفاكهة الجنية , يأكلون منها أكلاً يزعج الحراس من الملائكة , فيبادرون إليهم منبهين مذكرين :-مهلاً .. مهلاً .. مخلدون فيها .. أنتم مخلدون ! .. ولكن فقراء الدنيا لا يسمعون .. أو لا يريدون أن يصدقوا ما يقال .. فهم يملأون البطون مما لذ و طاب , كأنما الموائد ستُرفَع عنهم بعد حين .. و الفاكهة ستزول بعد قليل .. مثلما كان يحدث لهم فى دار الفناء فيما يسمى : " مطاعم الشعب " ! .. و كأنى بحراس الجنة من الملائكة و قد أخذتهم الشفقة بهؤلاء الناس , أقبلوا عليهم يقصونهم بلطف عن الموائد , ناصحين :- - رفقاً ببطونكم .. إنكم واجدون ها هنا دائماً كل هذا الطعام ! ..فترفع الأصوات :- " دائماً .. وإذا جعنا يوماً ؟؟ ..- أنتم هنا لن تجوعوا أبداً .. أبداً ..- ومن يضمن لنا ذلك ..و كانوا كذلك يقولون لنا فى الدنيا . كان هناك رجال يقولون لنا :- " لن تجوعوا فى ظل مبادئنا ! " .. فتبعناهم فى شطر من الدنيا فوجدنا الدولة تجوع من أجل الفرد .. و تبعناهم فى الشطر الآخر فوجدنا الفرد يجوع من أجل الدولة ! ..- جنة الخلد هى المكان الذى لا يدخله الجوع ..- سنرى ..قالها القوم و كل منهم يلتهم تفاحته الرابعة , وكأنها يسر لصاحبه "- " تفاحة فى اليد , ولا عشر فى الغد ! " .فهمس أحد الحراس من الملائكة لزميله :-- إن الخوف من الجوع لم يمت فيهم بعد , لعل الجوع هو أول ما يولد على الأرض و آخر ما يموت ..”