“ان نمط الحياة الذي يتحدد للفرد عن طريق تفردية نظام اقتصادي يصبح العامل الاولي في تحديد بناء شخصيته الكلية, وذلك لان الحاجة الملحة للحفاظ على الذات ترغمه على تقبل الظروف التي عليه ان يعيش في ظلها.”
“فاذا حدث وتقطعت الروابط الاولية التي تعطي للانسان الامان, واذا حدث ان واجه الفرد العالم الذي خارجه كذاتية منفصلة تماما, فان امامه اتجاهين حيث عليه ان يقهر الحالة التي لا تطاق, حالة العجز والوحدة.يستطيع في اتجاه منهما ان يتقدم الى "الحرية الايجابية", يستطيع ان يتعلق على نحو تلقائي بالعالم في الحب والعمل, في التعبير الاصيل عن القدرات العاطفية والحسية والعقلية, وهكذا يستطيع ان يصبح مرة اخرى متحدا مع الانسان والطبيعة ونفسه دون ان يتنازل عن الاستقلال والتكامل الخاصين بنفسه الفردية.والاتجاه الآخر امامه هو التقهقر والكف عن الحرية ومحاولة قهر وحدته عن طريق استئصال الهوة التي تنشأ بين نفسه الفردية والعالم. وهذا الاتجاه الثاني لا يوجد اطلاقا بالعالم بالطريقة التي كان مرتبطا بها قبل ان يبزغ باعتباره "فردا", لان حقيقة انفصاله لا يمكن قلبها, انها هرب من موقف لا يطاق يجعل الحياة مستحيلة اذا ما استطالت. وهذا الاتجاه للهروب هو لهذا يتميز بطابعه الارغامي مثل كل هرب من الخطر المهدد, كما انه يتميز ايضا بالتنازل التام بشكل او بآخر عن الفردية وتكامل النفس. ومن ثم فهو ليس حلا يفضي الى السعادة والحرية الايجابية, انه من ناحية المبدأ حل يوجد في كل الظواهر العصابية انه يسكن القلق الذي لا يطاق ويجعل الحياة ممكنة بتجنب الخطر, ومع هذا لا يحل المشكلة الواردة ويندفع له الثمن بنوع من الحياة لا يتألف في الأغلب الا من النشاطات الآلية او الاضطرارية.”
“ان ما يميز المجتمع في العصور الوسطى عن المجتمع الحديث هو نقصه من الحرية الفردية. لقد كان كل فرد من الفترة المبكرة مقيدا بدوره في النظام الاجتماعي. لم تكن امام الانسان سوى فرصة واهنة للتحرك اجتماعيا من طبقة الى اخرى, بل لا يكود يكون قادرا على الحركة حتى جغرافيا من مدينة الى اخرى او من بلد الى آخر. وفيما عدا استثناءات قليلة عليه ان يمكث حيث ولد. بل انه كان في الاغلب غير حر في ان يلبس كما يهوى او ان يأكل كما يشاء. وكان على الاسطى ان يبع حسب سعر معين وكان على الفلاح ان يبيع عند مكان معين. وكان محرما على عضو النقابة ان يفشي اية اسرار تقنية خاصة بالانتاج لاي فرد ليس عضوا في نقابته وكان مرغما على ان يدع زملاءه من اعضاء نقابته يشاركونه في اية عملية شراء مفيدة للمادة الخام. لقد هيمنت على الحياة الشخصية والاقتصادية والاجتماعية قواعد والزامات لم يفلت منها من الناحية العملية اي مجال من مجالات النشاط.”
“ان اطروحة هذا الكتاب هي ان الحرية لها معنيان بالنسبة للانسان الحديث: لقد تحرر من السلطات التقليدية واصبح "فردا", لكنه في الوقت نفسه اصبح منعزلا عاجزا وأداة للاغراض القائمة خارجه وانه اغترب عن نفسه وعن الآخرين. زيادة على ذلك, ان هذه الحالة تقوّض نفسه وتضعفه وترعبه, وتجعله مستعدا للخضوع لانواع جديدة من القيد. اما الحرية الايجابية من جهة اخرى فهي متطابقة مع التحقق الكامل لامكانيات الفرد مع قدرته على ان يحيا بشكل ايجابي وتلقائي. لقد وصلت الحرية الى نقطة حرجة عندها -وهي مدفوعة بمنطق ديناميتها- تهدد بالتغير الى نقيضها. ان مستقبل الديمقراطية انما يتوقف على تحقق النزعة الفردية التي ظلت الهدف الايديولوجي للفكر الحديث منذ عصر النهضة. ان الازمة الحضارية والسياسية في ايامنا هذه لا ترجع الى ان هناك افراطا في النزعة الفردية بل ترجع الى ان ما نعتقد انه نزعة فردية قد اصبح قوقعة فارغة.ان انتصار الحرية ليس ممكنا الا اذا تطورت الديمقراطية الى مجتمع فيه يكون نمو وسعادة الفرد هما هدف وغرض الحضارة, وفيه لا تحتاج الحياة الى تبرير للنجاح او اي شيء آخر, وفيه لا يكون الفرد تابعا ومُستغلا من جانب اية قوة خارجه سواء كانت الدولة او الجهاز الاقتصادي, واخيرا مجتمع لا تكون فيه المثل والضمير التبطّن للمطالب الخارجية, بل تكون حقا مثله وضميره "هو" وتعبر عن الاهداف النابعة من تفردية نفسه.وهذه الاهداف لم تتحقق تماما في اي فترة سابقة من التاريخ الحديث, وهي يجب ان تظل الى حد كبير الاهداف الايديولوجية, وذلك لان الاساس المادي لتطور النزعة الفردية الاصيلة ناقص. لقد خلقت الرأسمالية هذه المقدمة, وحلّت مشكلة الانتاج -من ناحية المبدأ على الأقل- ونحن نستطيع ان نتخيل مستقبلا للوفرة لا يعود فيه النضال من اجل الامتيازات الاقتصادية مدفوعا بالندرة الاقتصادية. ان المشكلة المواجهين بها اليوم هي مشكلة تنظيم القوى الاجتماعية والاقتصادية حتى يمكن للانسان -كعضو في مجتمع منظم- ان يصبح سيد تلك القوى ويكف عن ان يكون عبدا لها.”
“بالتطابق مع توقعات الآخرين, بالا يكون الانسان مختلفا, نخرس هذه الشكوك عن ذاتية الانسان ويتم الحصول على امان معين. وعلى اية حال يكون قد دفع الثمن غاليا. ان التنازل عن التلقائية والفردية يفضي الى انجراف الحياة ومن الناحية السيكولوجية ان الانسان الآلي بينما هو حي بيولوجيا هو ميت انفعاليا وذهنيا. بينما هو يقوم بحركات الحياة, فان الحياة تنساب من بين يديه كالرمال. ان الانسان الحديث وراء جبهة من الرضاء والتفاؤل غير سعيد في الاعماق, كحقيقة واقعة, انه على شفا اليأس. انه يتمسك يائسا بفكرة التفردية, انه يريد ان يكون "مختلفا" وليست لديه توصية اكثر من قوله:" ان الامر مختلف". ان الانسان الحديث تواق للحياة, ولكن لما كان انسانا آليا فانه لا يستطيع ان يعيش الحياة بمعنى النشاط التلقائي الذي يتخذه ويحله محل اي نوع من الاضطرابات او الاثارة: اثارة السكر والرياضة والمعايشة العنيفة لاضطرابات الاشخاص الخياليين على شاشة السينما.”
“ان مشكلة ما اذا كان نظام اقتصادي وسياسي يطور قضية الحرية لا يمكن حلها في الاطار السياسي والاقتصادي وحده. المعيار الوحيد لتحقيق الحرية هو اذا كان الفرد ام لا يشارك بفعالية في تحديد حياته وحياة المجتمع, ولا يتم هذا بالفعل الصوري للتصويت فحسب, بل في نشاطه اليومي وفي عمله وفي علاقته بالآخرين ايضا. ان الديمقراطية السياسية الحديثة اذا قصرت نفسها على المجال السياسي المحض لا تستطيع بما فيه الكفاية او نواجهه بنتائج اللاجدوى الاقتصادية للفرد المتوسط. ولكن المفاهيم الاقتصادية المحض مثل تشريك وسائل الانتاج ليست كافية بالمثل. انني لا افكر هنا كثيرا في الاستخدام المخادع لكلمة الاشتراكية كما طبقت -بسبب المسائل التكتيكية- في الاشتراكية الوطنية. ان ما في ذهني هو روسيا حيث اصبحت اشتراكية كلمة مخادعة, لانه بالرغم من ان تشريك وسائل الانتاج قد تم, فان هناك بيرقراطية قوية بالفعل تستغل الجماهير الواسعة من السكان, وهذا يمنع بالضرورة تطور الحرية والنزعة الفردية حتى لو كانت السيطرة الحكومية فعالة في المصلحة الاقتصادية لغالبية السكان.”
“الحرية الايجابية تقوم في النشاط التلقائي للشخصية الكلية المتكاملة.لقد قلنا ان الحرية السلبية بنفسها تجعل الفرد كائنا منعزلا وتكون علاقته بالعالم بعيدة ولا تقوم على الثقة والتي تكون نفسه ضعيفة مهددة باستمرار. والنشاط التلقائي هو النشاط الذي يستطيع به الانسان ان يقهر رعب الوحدة دون تضحية بتكامل النفس, ففي التحقق التلقائي للنفس يتحد الانسان من جديد بالعالم وبالانسان وبنفسه. والحب هو المركب الشديد لمثل هذه التلقائية, لا الحب بمعنى اذابة النفس في شخص آخر ولا الحب باعتباره تملكا لشخص آخر, بل الحب باعتباره التاكيد التلقائي للآخرين, باعتباره وحدة الفرد والآخرين على اساس الحفاظ على النفس الفردية. وتكمن الصفة الدينامية للحب في هذه القطبية نفسها: انه ينبع من الحاجة الى قهر الانفصال, انه يفضي الى الوحدة والاتحاد - ومع هذا لا نستأصل تلك الفردانية. والعمل هو المركب الآخر, لا العمل بمعنى النشاط الاضطراري للهرب من الوحدة, ولا العمل كعلاقة بالطبيعة التي تكون في جانب منها علاقة تسيد عليها وفي جانب آخر عبادة وعبودية لمنتجات ايدي الانسان, بل العمل كخلق حيث يصبح الانسان متحدا مع الطبيعة في فعل الخلق. وما يصدق على الحب والعمل يصدق على كل فعل تلقائي سواء كان تحقق لذة حسية او مشاركة في الحياة السياسية للجماعة. انه يؤكد لفردية النفس وفي الوقت نفسه يوحّد النفس بالانسان والطبيعة.والسمة الاساسية الموجودة في الحرية - ميلاد الفردية والم الوحدة والعزلة- تنحل على مستوى اعلى عن طريق الفعل التلقائي للانسان.”