“وقال بعض السلف: إذا رأيت الله عز وجل يتابع عليك نعمه وأنت مقيم على معاصيه فاحذره, فإنما هو استدراج منه يستدرجك به...رب مستدرج بنعم الله عليه وهو لا يعلم ورب مغرور بستر الله عليه وهو لا يعلم ورب مفتون بثناء الناس عليه وهو لا يعلم”
“عليك بالمطالب العالية والمراتب السامية التي لا تنال إلا بطاعة الله، فإن الله عز وجل قضى أن لا ينال ما عنده إلا بطاعته. ومن كان لله كما يريد كان الله له فوق ما يريد، فمن أقبل عليه تلقاه من بعيد، ومن تصرف بحوله وقوته ألان له الحديد، ومن ترك لأجله أعطاه فوق المزيد، ومن أراد مراده الديني أراد ما يريد”
“إن في القلب شعث : لا يلمه إلا الإقبال على الله، وعليه وحشة: لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن : لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق: لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات : لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه ، وفيه طلب شديد: لا يقف دون أن يكون هو وحده المطلوب ، وفيه فاقة: لا يسدها الا محبته ودوام ذكره والاخلاص له، ولو أعطى الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبدا!!”
“القحط الذي ينزل بالقلب هو الغفلة، فالغفلة هي قحط القلوب وجدبها، ومادام العبد في ذكر الله والإقبال عليه فغيث الرحمة بنزل عليه كالمطر المتدارك، فإذا غفل ناله من القحط بحسب غفلته قلة وكثرة، فإذا تمكنت الغفلة منه، واستحكمت صارت أرضه خرابا ميتة، وسنته جرداء يابسة، و حريق الشهوات يعمل فيها من كل جانب كالسَّمائم”
“ولا يزال العبد يعاني الطاعة ويألفها ويحبها حتى يرسل الله -عز وجل- عليه الملائكة تؤزّه إليها أزّاً، وتحرّضه عليها، وتزعجه من فراشه ومجلسه إليها. فلو عطل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه والأرض بما رحبت، وأحس نفسه أنه كالحوت إذا فارق الماء حتى يعاودها فتسكن نفسه وتقر عينه. ولا يزال يألف المعاصي ويحبها ويؤثرها، حتى يرسل الله عليه الشياطين تؤزّه إليها أزّاً .”
“وتأمل أحوال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم مع الله ، وخطابهم وسؤالهم، كيف تجدها كلها مشحونة بالأدب قائمة به :قالُ إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم: { الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) َوالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)} ، ولم يقل: "إذا أمرضني" حفظاً للأدب مع الله".وقال آدم عليه السلام : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ } ، ولم يقل: "رب قدرت عليّ وقضيت عليَّ".وقول أيوب عليه السلام : { مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }الأنبياء:83، ولم يقل: "عافني واشفني".وموسى عليه الصلاة والسلام، حيث قال: { رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} ، ولم يقل: أطعمني.”
“إذا علمت أن الله معك.. لم يبق في قلبك اضطراب من تشويش الأسباب”