“السؤال هو هل "المستقبل المضيء" هو بالفعل مسألة مؤجلة على الدوام "هناك". فماذا لو أن الأمر عكس ذلك, لو أن هذا المستقبل يوجد هنا بين أيدينا, وأن الغشاوة والضعف اللذان يلفاننا يمنعاننا من أن نراه في أنفسنا ونجعله واقعاً ؟”
“الجانب الوحيد الايجابي في طبيعة نظام ما بعد الشمولية وفي غياب سياسة طبيعية وضبابية تعمل على وجود فرصة في تغيير سياسي ناجز هو أنها تدفعنا إلى أن نتدبر أمورنا على خلفية ملابساتها العميقة, ونفكر في مستفبلنا في إطار رؤى طويلة المدى وشاملة للعالم الذي نحن جزء منه. إن ضرورة أن نتأكد على الدوام أن صراع الإنسان مع النظام يدور على مستوى أعمق من مستوى السياسة المباشرة, يحدد على ما يبدو وجهة هذا التفكير.”
“إن إمكانية "الثورة الوجودية" هي في حقيقة الأمر -من حيث نتائجها- عبارة عن إمكانية إعادة هيكلة المجتمع أخلاقيا, بمعنى تجديد جذري لعلاقة الإنسان بما أطلقت عليه "النظام البشري" (الذي لا يمكن أن يكون بتفويض من أية نظام سياسي). إن الأمر يتعلق بهذا المسار: خبرة وجودية جديدة, تجديد الارتباط بالعالم, الالتزام المتجدد بالمسؤولية العليا, إعادة اكتشاف العلاقة بالآخر والتضامن مع المجتمع. هذا هو المسار الذي يجب أن تسير فيه.”
“لقد شكل الإنسان ويشكل يوميا نظاما ذاتيا يجرده من هويته, وهذا ليس سوء فهم للتاريخ يصعب تفسيره, او انحراف لاعقلاني او نتيجة لارادة شيطانية عليا قررت لأسباب غير معروفة أن يتعذب فصيل من البشر. يمكن أن يحدث هذا, وهو جائز لأن الإنسان الحديث يمتلك سمات معينة تجعله يشكل هذا النظام أو على الأقل يتحمله. يبدو انه يحمل في طياته شيئا يعد مثل هذا النظام امتداد له أو انعكاس له ويتفق معه. يحمل شيئا يبطل كل محاولة لتحفيز "الأنا الجيدة".الإنسان مجبر على العيش في الكذب, لكن مجبر على ذلك لأنه قادر على حياة كهذه. فليس فقط النظام هو الذي يحول الإنسان ونفسه, بل الإنسان المنفصل عن نفسه هو الذي يدعم هذا النظام وكأنه مشروعه البديهي, وكأنه صورة منحطة لانحطاطه, وكانه دليلا على فشله.”
“يتخطى مثل هذا التصور حول الخطوات التنظيمية لـ "الثورة الوجودية" بشكل واضح - كما هو جلي من هذا العرض- إطار الديمقراطية البرلمانية الكلاسيكية التي استقر عليها الوضع في الدول الغربية المتقدمة والتي تتعرض لعثرات من وقت لآخر. وبما أنني أطلقت مصطلح "نظام ما بعد الشمولية" لخدمة أفكار هذه الدراسة, ربما يمكنني أن أشير إلى هذا التصور المطروح - على الأقل في الوقت الحاضر- على أنه رؤية لنظام "ما بعد الديمقراطية".”
“طالما لم يوضع الوهم في مواجهة مع الحقيقة, فلا يظهر على أنه وهم, وطالما لا توضع الحياة "في الكذب" في مواجهة الحياة "في الحقيقة" فلا يوجد احتمال أن ينكشف زيفها. وما أن يصبح هذا الاحتمال وارداً فإن وجودها يصبح مهددا من جذوره وبالكامل. ولا يهم حجم المساحة التي تحتلها هذه الإمكانية. فإن قوتها ليست في جانبها المادي, لكن في الضوء الذي تصدره دعامات النظام والتي تنقض على اساسها الهش: فبائع الخضراوات لم يهدد تركيبة السلطة بشخصه وبقوته الحقيقية, لكن هددها بأبعاد ما فعله, وتجاوزه إياه, بما أشعه على البيئة المحيطة به - وبالطبع بالنتائج الغير محسوبة التي ستسفر انتشار هذه الأشعة.”
“إن الناس الذين يعيشون في كنف نظم ما بعد الشمولية يدركون جيداً أنه أهم من وجود حزب واحد أو أكثر من حزب في السلطة, وأسماء هذه الأحزاب, هو هل يمكنكم الحياة كآدميين أم لا.”