“لم يبحث الحسين عن شهادة دخول إلى الجنة أو لتأكيد دخولها, لقد كانت شهادة علينا. شهادة للأمة كلها, و للتاريخ, و للمقاومين بعد مئات السنين, لمواجهة أي يزيد يجئ, بمقاومة الحسين الوحيدة.حجة علينا!أن لا يقف أي واحد منا في أي مقام كنا, و يسأل:((ماذا أفعل و القوم كلهم ظلم, و العصر كله ظلام, و الرفاق انفضو, و الانصار رحلو؟)).”
“لم يكن الحسين يبحث عن نصر عسكرى لكى يخاف قلة عدد وعدة جيش وضعف حجمه وقلة ذخيرته أمام جيوش جرارة وفرسان وسيوف ورماح.. وحجارة, ولم يكن الحسين يبحث عن خلافة تملأ الأرض والسماء وتهز عروشا وتفتح أمما وبلدانا.. لكى يرجع إلى حيث كان, عندما وصلته أنباء انفضاض الجموع وتخاذل المبايعين وتراجع المؤيدين, فيأخذها من أقصرها ويرجع!ولم يكن الحسين يبجث عن حل سياسى توفيقى تنتهى به المفاوضات إلى أقصى المكاسب النابعة من أقل الخسائر.. وإلا كان رضى بأن يدخل الكوفة ويجلس أمام عبيد الله بن زياد, ويصافحه ويمنحه شرف المكوث أياما فى قصره ثم يرحل إلى العاصمة فيما بعد يحتضنه يزيد, ويزيد من كرمه وسخائه.. لم يكن الحسين يبحث عن هذا كله وإلا فعل ما يقتضيه ذلك, لكنه كان يبحث عن شئ واحد الشهادة.. لماذا؟ لم يبحث الحسين عن شهادة دخول للجنة أو لتأكيد دخولها.. لقد كانت شهادة علينا..شهادة للأمة كلها وللتاريخ كله وللمقاومين بعد مئات السنين لمواجهة أى يزيد يجئ بمقاومة الحسين الوحيدة حجة علينا”
“إنهم جميعا يحكموننا (حكومة و معارضة) من القبور..قبور مصطفى النحاس و أحمد حسين و عبدالناصر و حسن البنا و سيد قطب و أنور السادات, بينما نريد أن نعيش خارج جبانة التاريخ قليلا”
“و لم لا تشتعل النيران الطائفية، و النفط موجود و موفور، و لم لا يتفرغ المسلم للقبطى، و المارونى للشيعى، و الشيعى للسنى، فضلاً عن الزيود و الشوافع و الحنابلة و الأحناف و المالكيين، و ما لا أذكر و لا أعرف، من طوائف و فرق، و قد فرغت الأمة من هم التوحيد و طموح الاندماج و تجاوزت مراحل (الفيديريشن) و (الكونفيديريشن) إلى مرحلة التفركش الشامل الذى لا ضابط له و لا رابط، و لم تعد تجد ما تنتمى له، غير نوادى الكرة و العمل من أجل انشاء (امارات الطوائف العربية)، غير الأندلسية و غير المتحدة.”
“ما يزعجنى حقاً، هو رابطة صناع الطغاة، ممن يظن الناس أنهم أصحاب فكر و رأى، و هم لا يملكون إلا موهبة واحدة هى القدرة على تحويل الزعماء و القادة من بشر يمكن مناقشتهم إلى آلهة لا يحسُن التفكير فى نقدهم، فهم معصومون من الخطأ، و مُحصنون -أحياء و أمواتاً- ضد الحساب، و ما علينا نحن الذين ابتلانا الله بأحكامهم، إلا أن (نطبل) لهم و هم أحياء، و نحرق البخور لذكراهم بعد أن ينتقلوا إلى رحاب الله، و ننتقل للتطبيل لخلفائهم، ليتحولوا من بشر يحكمون، إلى آلهة معصومين و بهذا نظل نحن المصريين -بل العرب- عبيد احسانات من يحكموننا و أسرى قداسة من سقونا المر كؤوساً و أباريق!”
“و لكن اغترابي لم يكن عودة من أي مكان.”
“أي أن الصحراء دفعت به إلى أول درجة في سلم المنافي الطويل لا لأنها تعلم أنها لن تستعيده إلا بالتحمم بنار المنفى، و لكن ليقينها بأن الكنوز المخفية بعيدا في مجاهل النفوس لا تتزحزح ولا تهب نفسها إلا بعبور سلسلة طويلة و موجعة من المنافي. و الواحة كانت الدرجة الأولى في سلم المنافي.”