“القران ليس كتابا فنيا مقسما على قضايا معينة ثم تنقطع فيه الرؤية الشاملة .. بل هو يعرض الكون وهو يبنى العقيدة .. ويعرض الكون وهو يربى الخلق ..ويمزج بين الجميع بطريقة مدهشة ..فالنظر فى الكون والواقع والتاريخ يقود إلى الإيمان ويؤصل التوحيد ويبنى الخلق ..فنرى القضية الواحدة تتماسك الأيات فيها على عدة محاور من الكلام عن الله والكون والجزاء والنفس البشرية والإيمان والأخلاق”
“إن الخلق فى منابع الإسلام الأولى ـ من كتاب وسنة ـ هو الدين كله، وهو الدنيا كلها، فإن نقصت أمة حظا من رفعة فى صلتها بالله، أو فى مكانتها بين الناس فبقدر نقصان فضائلها وانهزام خلقها .”
“أذكر أننى تجولت فى مصانع السكر، ورأيت الأنابيب الطافحة بالعصير، والأفران المليئة بالوقود، والآلات التى تغطى مساحة شاسعة من الأرض، لقد قلبت البصر هنا وهنالك ثم قلت: سبحان الله ! إن بطن نحلة صغيرة يؤدى هذه الوظيفة .. وظيفة صنع السكر دون كل تلك الأجهزة الدوارة والضجيج العالى ! وخيل إليّ أن المخترعات البشرية لا تعدو أن تكون إشارة ذكية إلى ما يتم فى الكون بالفعل من عجائب دون وسائط معقدة وأدوات كثيرة . ولو أن البشر أرادوا بناء مصنع للف الحبات النضيدة فى سنبلة قمح بالقشرة التى تحفظ لبابها لاحتاج الأمر إلى حجرة كبيرة تحت كل عود ! لكن ذلك يحدث فى الطبيعة فى صمت وتواضع ! والمقارنة التى عقدناها هنا تجاوزنا فيها كثيراً، فإن الإنسان المخترع هو بعض ما صنع الخلاق، والمواهب الخصبة فيه بعض ما أفاء الله عليه .. وكأنما أراد الله الجليل أن يعرف ذاته وعظمته للإنسان الذى أنشأه، فهداه إلى بعض المخترعات ؛ ليدرك مما بذل فيها كيف أن الكون مشحون بما يشهد للخالق بالاقتدار والمجد . .. إن ميلاد برتقالة على شجرة أروع من ميلاد “ سيارة “ من مصنع سيارات يحتل ميلاً مربعاً من سطح الأرض . ولكن الناس ألفوا أن ينظروا ببرود أو غباء إلى البدائع لأنها من صنع الله، ولو باشروا هم أنفسهم ذرة من ذلك ما انقطع لهم ادعاء ولا ضجيج .. إننى عرفت الله بالنظر الواعى إلى نفسى وإلى ما يحيط بى، وخامرنى شعور بجلاله وعلوه وأنا أتابع سننه فى الحياة والأحياء . وبدا لى أن أستمع إلى ربى فى الوحى الذى أنزله .. إذ لا بد أن يكون هذا الوحى حديثاً ناضجاً بما ينبغى له من إعزاز وحمد ! كان أقرب وحى إلى هو القرآن الكريم لأننى مسلم، فلما تلوته وجدت التطابق مبيناً بين عظمة الله فى قوله، وعظمته فى عمله . سمعته يقول: “ الله خالق كل شىء، وهو على كل شىء وكيل، له مقاليد السموات والأرض .. “ [الزمر: 62، 63] “ الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تفيض الأرحام وما تزداد، وكل شىء عنده بمقدار، عالم الغيب والشهادة، الكبير المتعال .. “ [الرعد: 8، 9]“ الله الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً “ [ غافر: 61 ] “ الله الذى جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم “ [ غافر: 64 ]“ بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة، وخلق كل شىء وهو بكل شىء عليم، ذلك الله ربكم، لا إله إلا هو خالق كل شىء وهو على كل شىء وكيل، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير “ [ الأنعام: 101، 102 ]وآيات أخرى كثيرة كثيرة، كلها شواهد على أن ما وقر فى نفسى عن الله بطريق العقل قد أيده النقل تأييداً مطلقاً، وجعلنى أستريح إلى الإسلام فكراً وضميراً .”
“أن القرآن في الدلالة على الله (كون) ناطق .. كما أن هذا الكون (قرآن) صامت .”
“إن وصف الإيمان بأنه حركة رجعية، والإلحاد بأنه حركة تقدمية وصف كاذب، فالكفر قديم قدم الغرائز الخسيسة، والأفكار السفيهة، وتاريخ الحياة يتجاور فيه الخير والشر، والصلاح والفساد، فمن قال: إن الإيمان طبيعة أيام مضت وانتهى دورها، وإن الكفر يجب أن يفسح له الطريق فهو دجال... كذلك وصف الإيمان بأنه حركة فكر محدود، والإلحاد بأنه حركة عقل ذكى، أو وصف الإيمان بأنه منطق الدراسة النظرية، والإلحاد بأنه منطق الدراسة العلمية والبحوث الكونية، هذا كلام خرافى لا حرمة له، فإن جمهرة كبرى من قادة العلم الكونى والدراسات الحيوية يؤمنون بالله، ويرفضون الزعم بأن الكون خلق من غير شىء. والواقع أن الإلحاد يعتمد على الظنون والشائعات، لا على اليقين والبراهين، وأنه لم يثبت فى معمل أو مختبر بأن الله غير موجود، وكل ما هنالك أن الماديين نسبوا لغير الله من النظام والإبداع ما لا تصح نسبته إلا لله. كما وصف القرآن الكريم (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون). أما الدلائل التى تغرس الإيمان فى القلوب، عن طريق التفكير السليم فى هذا الكون الكبير فهى قائمة ناهضة.”
“إن التفكير الواقعى فى معالجة شئون الناس هو الذى أنجح الإسلام قديما ٬ وجعل الناس يدخلون فى دين الله ٬ أما معظم مسلمى اليوم فأبعد شىء عن قضايا الشعوب المصيرية الشاملة!”
“إن الله جعل معرفته والحفاظ على حقوقه مربوطين بدراسة الكون والتمكن فيه, فإذا كنا خفافاً في هذه الدراسة, أو كنا ذيولاً لغيرنا فهل نحن بهذه الخفة عارفون بالله, قادرون على صيانة حرماته؟!أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيءٍ ..”