“- على إحدانا أن تصحو الآن ياسلوى . ورآها عبدالرحمن تتجه نحوه , ابتعد بسرعة فدوى ارتطامها عند قدميه . -لو سقطت عليَّ لقتلتني . وصرخ أحدهم من أعلى البناية : ماتت ؟! فانحنى عبدالرحمن جسَّ نبضها . وصرخ : لسا ! فهبطوا الدرجات مسرعين . حملوها .. وراحوا يصعدون بها ثانية ! واستدارات سيّارات حضرته عائدة . وصلوا حافة السطح , ألقوا بها . وكان عبدالرحمن حذِراً فسقطت بعيّداً عنه هذه المرة . وصرخوا . -ماتت ؟ فإنحنى عليها , جسَ نبضها ,ولم يكن ثمة دماء , لم يكن سوى عينين مشرعتين . فصرخ : لسا ! وأحس أنه يعيّش لحظة تحرره من كل شيء . وراحوا يهبطون الدرج من جديد . حملوها ... وكما لو أنهم لو يتعبوا أبداً , وصلوا سريعاً إلى حافة السطح , ألقوا بها , وقبل أن تصل الأرض كانوا يصرخون به . -ماتت ؟ -.....!! -على إحدانا أن تصحو الآن ياسلوى . على إحدانا أن تصحو الآن ياسلوى .”
“لم يراودني الشك لحظة في أنني سأعود، لكن ما كان يؤرقني دائمًا الحالة التي سأكون عليها عندما أعود. في البعيد يصبح كل شيء غامضًا، حتى أنت، حين تحاول ذاكرتك القبض على الوجوه والأشياء، لا تقبض سوى على ضبابها. ليس ثمة بطولة في البعد، إن لم تسر عكسه، كما لم يكن هناك بطولة في الموت إن نسيت لحظة أنه عدوّك المتقدم فيك، وفي من تحب، وما تحب، وأن كل ما تفعله هو أنك تقف في وجهه، غير عابئ بعدد أولئك الذين يقفون معك أو عدد الذين يقفون ضدك.. أفكر أحيانًا، فأقول، كان يمكن أن نتخفف من كل هذا الموت، لو أن العالم يسمح لنفسه بين حين وآخر أن يكون أكثر عدلًا، يؤرقني أن فكرة جميلة كالحرية لا تتحقق سوى بجمال موتك، لا بجمال حياتك، وهو جمال يكفي ويفيض؛ ويؤرقني أن البطل يصبح بطلًا أفضل كلما ازداد عدد الأموات حوله أوفيه، وأن أم الشهيد تصبح أكثر قدسية، وبطولة حين يستشهد لها ولد آخر؛ يؤرقني أننا تحولنا إلى سلالم لجنةٍ هي في النهاية تحتنا، ولو كان الوطن في السماء لكنا وصلنا إليه من زمنٍ بعيد. في السجن، كان يقول لي المحقق: اعترف، فأقول له: وبماذا أعترف؟ ما أعرفه لا يمكن أن يكون في النهاية أكثر أهمية من نفسي بحيث أقايضه بها، ولا يمكن أن تكون نفسي أكثر أهمية منه بحيث أقايضها به.”
“الذكريات هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يتغلب به البشر على الزمن لأنهم يؤكدون لأنفسهم بها أنهم لم يكونوا مجرد عابرين لهذه الحياة.”
“تسألينني لماذا البكاء؟ ومتى سأبكي إذًا؟ لماذا لا نبكي كلنا؟ كلنا يا ابنتي، مرّة واحدة، من أول "غزَّة¬" حتى آخرها، لماذا لا نبكي؟ هل يجب علينا أن نُزغرد طوال الوقت، لماذا؟ لأن أولادنا شهداء. ولكنهم أولادنا. كلّ يوم، كلّ ساعة، كل لحظة أنتظر أن يدقَّ أحدهم الباب ويأتيني الخبر الذي لا أريد سماعه. كل هذا الخوف عليهم، كل هذا الخوف، وفي النهاية يجب أن أزغرد. أتعرفين لماذا تبكي الأمهات خوفًا على أبنائهن طوال الوقت؟ لأن عليهن أن يزغردنَ مرةً واحدة. واحدة فقط. كي لا يخجلنَ من هذه الزغرودة التي يطالبهنَّ العالم بها. تبكي الواحدة منّا طوال الوت لأنها تعرف أن هنالك لحظة آتية، ستكون فيها مضطرة لأن تخون أحزانها، حين يكون عليها أن تزغرد. ثم هل تعرفين من هو الذي يجبرنا على أن نزغرد فعلًا؟ لا ليس أهلنا وأقاربنا وجيراننا، لا ليسوا هُم، الذي يجبرنا على أن نزغرد في جنازات شهدائنا هو ذلك الذي قتلهم، نزغرد حتى لا نجعله يحسَّ لحظة أنه هزمنا، وإن عشنا، سأذكِّرُكِ أننا سنبكي كثيرًا بعد أن نتحرّر!، سنبكي كل أولئك الذين كنا مضطّرين أن نزغرد في جنازاتهم، سنبكي كما نشاء، ونفرح كما نشاء، وليس حسب المواعيد التي يحدّدها هذا الذي يُطلق النار عليهم وعلينا الآن. فنحن لسنا أبطالًا، لا، لقد فكّرت طويلًا في هذا، وقلت لنفسي نحن لسنا أبطالًا، ولكننا مضطّرين أن نكون كذلك.”
“زمنٌ طويل مرّ قبل أن يعرف: أن ليس بإمكانك رؤية الشيء على حقيقته وأنت بعيد عنه،ثم تعّلم أن رؤيته من الخارج غير كافية لمعرفته أبداً!”
“زمن طويل مرَّ قبل أن يعرف: أن ليس بإمكانكَ رؤيةَ الشيء على حقيقته وأنتَ بعيد عنه, ثم تعلَّمَ, أن رؤيته من الخارج غير كافية لمعرفتها أبداً!”
“فرحنا أكثر حين أتت جيوش الإنقاذ عام 48 وأيامها على الأقل كنا نملك سلاحاً .. نحن الآن لا نملكه .. والذين اقتربوا من السلاح هم في السجون .. لا يمكن أن تحارب عدوك بالمساجين .. إذا كانوا يريدون حقا الحرب .. فليخرجوا أولا من كانوا يريدون استعادة بلادهم”