“الغربة ببساطة تجعلك شيئاً مسطحاً،أوناتئاً ومحجوزاً بسور عالي من الدلالاتالعميقة للغة، وإرث تقاليد المكان وأعرافه، وخبراته الحياتية ومشاعره.”
“ما الغربة؟ لقد أجهدت نفسى لأحلل ما يمكن أن تكونه، ووصلت -بعد تفحصى للاحتمالات الكثيرة- إلى أنها يمكن أن تكون العيش فى مكان لا تعطى فيه ولا تأخذ عطاءً حقيقيًا وأخذًا من المشاعر.. مشاعر لا يحتملها واجب اللياقة بل تتفجر بتلقائية وتنساب بلا عمد كأنها مياه الينابيع تتفجر لفرط اكتنازها تحت الأرض وتسيل إلى حيث ينتظرها ويتلقف المنخفض. مرة تكون أنت النبع وأخرى تكون المنخفض. لكن الغربة ببساطة تجعلك شيئا مسطحًا، أو ناتئًا ومحجوزًا بسور عال من الدلالات العميقة للغة، وإرث تقاليد المكان وأعرافه وخبراته الحياتية ومشاعره.من تعطى ومن يعطيك حقيقة وأمامك كل هذا السور؟”
“عند نقطة البداية، في اليوم الأخير من أيام استطلاعنا، توقفتُ حائرا، ورائي بوابة الهند وأمامي فندق تاج محل. وأظن أنها الحيرة التي تنتاب كل من يريد الكتابة عن الهند أو جزء منها، أو حتى جزء من الجزء. فمشكلة الكتابة عن الهند تكمن في غناها الفاحش بما يُدهش ويكون جديرا بالكتابة، فكل خطوة في الهند عالم من المُدهشات، وكل لحظة أعجوبة، والرغبة في الكتابة عن كل شيء يمكن أن تجعلك لا تكتب شيئا.”
“والجديد بالنسبة لي أنني صرت أرى هذا كله مجرد ملامح لوجود واحد من المادة والروح معاً، وهذا الايمان يجعلني لا أقع في فخ جفاف العلم، وخفة ما يسمى الخيال العلمي، هذا ببساطة لأنني أقرأ العلم بقلبي سواء في الاقتراب أو الابتعاد.”
“شعرتُ بقشعريرة وحمدت الله الذي أحمده كثيرا على نعمة الإسلام، فالعودة إلى باطن الأرض هي عودة إلى الرحم الحنون الذي منحنا إياه رب العالمين، فالأرض شريط رحمة حقيقي، منها نشأنا وإليها نعود، لتستمر دورة الأخذ والعطاء، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أرى أن الوطن ليس هو المكان الذي نشأنا فيه ونشأ أحبابنا، فقط، بل هو بشكل أعمق وأوثق المكان الذي لنا في ثَراه أحباب راحلون.”
“قالت لي إيرينا: "محمد .. قل شيئاً".قلت: " ليس لديَّ ما أقوله".قالت: "لا أريد كلاماً .. أريد صوتك".فسحبت من الرف القريب مختارات من شعر بلوك وأيسينين وبوشكين، بلغتها ولغتهم، ورحت أقرأ. لكنها سحبت من يدي الكتاب سريعاً، ونحَّته وهي تقول: " اللكنة تفسد الشعر".وعادت تقول: "أريد صوتك".فأغمضت عيني ورحت أقرأ ما يطيب لي قراءته عندما أكون وحيداً .. شيئاً من سورة الرحمن، وقصيدة للسياب، وأخرى لدرويش، ومقتطفات من الطيب صالح، والنفري.وعندما فتحت عيني وجدتها تغفو على صدري كطفل آمن، فسألتها في خفوت: " نمتٍ؟".فتحت عينيها الطازجتين مندهشة وهي تقول: "لا لا. أبداً .. لما توقفت؟".ولم أكن أحب أن أتوقف، ليس لأجلها فقط، ولكن بالأكثر .. لأجل روحي.”
“ليس صحيحا أنه لا كرامة لنبي فى وطنه، فما من كرامة حقيقية لنبي أو ولى أو واحد من عوام الناس إلا فى الوطن، هذا إذا نظرنا إلى الكرامة بمعنى العز الحقيقى فى الحب والطمأنينة والود والمراعاة التى يشعر بها الإنسان بين أهله ومعارف عمره وشوارع صباه، مهما كان هؤلاء جميعًا. وفى حالة كاتب وقارئ عربي تُمثّل اللغة المحيط الوجدانى لحياته، فإن الغربة تكون خانقة حقًا، ولم تكن كل جمالات الطبيعة وسوانح الترفيه ومناهل العلم والثقافة بكافية للتعويض عن الاستوحاش للوطن.”