“لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة اليهما, واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما, وعدلوا الى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ, عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم, وظلمة في قلوبهم, وكدر في أفهامهم, ومحق في عقولهم. وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم, حتى ربي فيها الصغير, وهرم عليها الكبير, فلم يروها منكرا”
“إيثار الدنيا على الآخرة إما من فساد في الإيمان وإما فساد في العقلفالراغب في الدنيا الحريص عليها المؤثر لها إما أن يصدق بأن ما في الآخرة أشرف وأفضل وأبقى وإما أن لايصدق فإن لم يصدق بذلك كان عادما للإيمان رأساًوإن صدق بذلك ولم يؤثره كان فاسد العقل سيىّء الإختيار لنفسه”
“علامات السعادة والشقاوة:من علامات السعادة والفلاح أن العبد كلما زيد في علمه زيد في تواضعه ورحمته، وكلما زيد في عمله زيد في خوفه وحذره، وكلما زيد في عمره نقص من حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قربه من الناس وقضاء حوائجهم والتواضع لهم.وعلامات الشقاوةأنه كلما زيد في علمه زيد في كبره وتيهه،وكلما زيد في عمله زيد في فخره واحتقاره للناس وحسن ظنه بنفسه،وكلما زيد في عمره زيد في حرصه،وكلما زيد في ماله زيد بخله وإمساكه،وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في كبره وتيهه.وهذه الأمور ابتلاء من الله وامتحان يبتلي بها عباده، فيسعد بها أقوام ويشقى بها أقوام.”
“وقد خلق الله النفس شبيهة بالرحى الدائرة التي لا تسكن ولا بد لها من شيئ تطحنه , فإن وُضع فيها حَب طحنته, وإن وضع فيها تراب أو حصى طحنته, فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في الرحى , ولا تبقى هذه الرحى معطلة قط بل لا بد لها من شيئ يوضع فيها, فمن الناس من تطحن رحاه حباً يخرج دقيقًاينفع بها نفسه وغيره, وأكثرهم يطحن رملًا وحصىً وتبنًا ونحو ذلك, فإن جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحينه”
“الإخلاص والتوحيد شجرة في القلب؛ فروعها الأعمال، وثمرها طِـيب الحياة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة، وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك,والشرك والكذب والرياء شجرة في القلب؛ثمرها في الدنيا الخوف والهم والغم وضيق الصدر وظلمة القلب، وثمرها في الآخرةالزقوم والعذاب المقيم، وقد ذكر الله هاتين الشجرتين في سورة إبراهيم ”
“من أعظم الظلم والجهل أن تطلب التعظيم والتوقير لك من الناس وقلبك خالٍ من تعظيم الله وتوقيره ، فإنك توقر المخلوق وتجلّه أن يراك في حال لا توقر الله أن يراك عليها ”
“ولعل النشأة الأولى التي أنشأها الرب سبحانه فيها بالعيان والمشاهدة أعجب من النشأة الثانية التي وعدنا بها إذا تأملها اللبيب. ولعل إخراج هذه الفواكه والثمار -في الدنيا- من هذه التربة الغليظة والماء والخشب والهواء المناسب لها، أعجب عند العقل من إخراجها من تربة الجنة (المسك) ومائها (الصافي النقي) وهوائها، ولعل إخراج هذه الأشربة التي هي غذاء ودواء وشراب ولذة من بين فرث ودم ومن قيء ذياب أعجب من إجرائها أنهارا في الجنة، ولعل إخراج جوهري الذهب والفضة من عروق الحجارة من الجبل وغيرها أعجب من إنشائها هناك بأسباب أخر، ولعل إخراج الحرير من لعاب دود القز أعجب من إخراجه من أكمام الشجر في الجنة، ولعل جريان بحار الماء بين السماء والأرض على ظهور السحاب أعجب من جريانها في الجنة في غير أخدود.”