“يتحدث العالم كله اليوم عن"نظام عالمي جديد" هو بصدد التبلور، نظام قوامه هيمنة قطب واحد، رأسمالي في نشأته وتكوينه، امبريالي في طبيعته وطموحاته. إن انهيار المعسكر الشيوعي وتقلص ظل الاتحاد السوفياتي إلى المستوى الذي جعل منه تابعاً وليس متبوعاً، سيجعل العالم كله يخضع لتوجه وحيد، لفترة من الوقت لا يمكن التنبؤ بمداها، توجه رأسمالي على مستوى العلاقات الخارجية الاقتصادية والسياسية والثقافية. والامبريالية تعني الهيمنة والاستحواذ بدافع المنفعة. وسواء انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة هذا "النظام الجديد" أو شاركتها فيه "مجموعة الشمال" ، فإن النتيجة بالنسبة إلى العرب ستكون واحدة: فقدان ما كانوا -أو بعضهم على الأقل- يطلقون عليه إلى وقت قريب وصف" الصديق" أو " الحليف الطبيعي" واضطرارهم بالتالي إلى التعامل مع "حليف" وحيد يفرض نفسه عليهم، حليف غير طبيعي لأن مصالحه تختلف عن مصالحهم بل وتتناقض معها.”
“إن تجديد عقل ما يحتاج إلى مخاطبة هذا العقل بالأسلوب الذي تعود الإنصات إليه ، وكلما أمكن : بالوسائل التي يستعملها هو نفسه . إن ذلك هو السبيل الوحيد الذي يجعل العقل المراد تجديده ينصت ويستوعب . أما اصطنطاع الغموص أو عدم التمكن من التحرز منه ، أما نقل الأفكار في نفس غلافها الأصلي وعدم القدرة على إلباسها غلافا يأنس العقل المنقول إليه ، أما الطريقة التي يكتب بها كثير من دعاة التجديد في الفكر العربي المعاصر ، فإن رد الفعل إزاءها ، من طرف العقل الذي تخاطبه ، لن يختلف عن رد أبي سعيد السيرافي إزاء التراجمة التي كانوا يلتزمون النقل الحرفي ويكتبون بلغة غير بيانية وغير مبينة ، رد الفعل الذي عبر عنه السيرافي بقوله : لا سبيل إلى إحداث لغة في لغة مقررة بين أهلها”
“هنا في الثقافة العربية الإسلامية يطلب من العقل أن يتأمل الطبيعة ليتوصل إلى خالقها : الله. وهناك في الثقافة اليونانية - الأوروبية يتخذ العقل من الله وسيلة لفهم الطبيعة أو على الأقل ضامناً لصحة فهمه لها. هذا إذا لم يستغن عنه بالمرة, أو لم يوحد بينهما.”
“[إن] البطانة الوجدانية التي تؤطر صداقة الأطفال هي من جنس تلك الروابط التي تشد...وثاق العشاق إلى بعضهم مع فارق واحد، وهو أن حرارة انشداد الأطفال الأصدقاء بعضهم إلى بعض تقوى مع دوام الاتصال، في حين أن لهيب حب العشاق لا توهج إلا في حال الفراق، وغالباً، ما تخبو ناره مع دوام الوصال”
“إن المعطيات التاريخية التي نتوفر عليها اليوم تضطرنا إلى الاعتراف للعرب واليونان والأوروبيين بأنهم وحدهم مارسوا التفكير النظري العقلاني بالشكل الذي سمح بقيام معرفة علمية أو فلسفية أو تشريعية منفصلة عن الأسطورة والخرافة”
“إن التأويل العرفاني للقرآن هو تضمين وليس استنباطا ولا كشفا ولا إلهاما ، تضمين ألفاظ القرآن أفكارا مستقاة من الموروث العرفاني القديم السابق على الإسلام . ودون أن ندعي أننا قمنا بإحصاء شامل فإنا بإمكاننا أن نقرر بناء على ما تكون لدينا من خبرة من خلال التعامل مع النص القرآني والنصوص العرفانية ، الصوفية والشيعية والفلسفية الباطنية ، بإمكاننا أن نقرر بأنه ما من فكرة عرفانية يدعي العرفانيون الإسلاميون بأنهم حصلوا عليها عن طريق الكشف سواء بواسطة المجاهدات والرياضات أو بواسطة قراءة القرآن ، إلا ونجد لها أصلا مباشرا أو غير مباشر في الموروث العرفاني السابق على الإسلام . هنا يصدق المثل القائل ( لا جديد تحت الشمس ) مائة في المائة”
“ مسألة العلمانية في العالم العربي مسألة مزيفة، بمعنى أنها تعبر عن حاجات بمضامين غير متطابقة مع تلك الحاجات: إن الحاجة إلى الديمقراطية التي تحترم حقوق الأقليات والحاجة إلى ممارسة العقلانية للسياسة هي حاجات موضوعية فعلاً، إنها مطالب معقولة وضرورية في عالمنا العربي ولكنها تفقد معقوليتها وضروريتها بل ومشروعيتها عندما يُعبر عنها بشعار ملتبس كشعار العلمانية".”